إذا كان ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مفاجئًا، فلماذا ذُكرت له علاماتٌ تسبقه؟

وكالة الحوزة - أوضح حجّة الإسلام والمسلمين كزّازيّ أنّ مفاجأة ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا تعني خلوّ المرحلة التي تسبقه من العلامات والأحداث، بل تعني أنّ تحقّق الظهور قد يأتي على خلاف توقّعات الناس وحساباتهم، مبيّنًا أنّ علامات الظهور تؤدّي دورًا أساسيًّا في كشف المدّعين الكاذبين للمهدويّة، وتهيئة المؤمنين لنصرة الإمام والوقوف إلى جانب جبهة الحقّ.

وكالة أنباء الحوزة - يتناول حجّة الإسلام والمسلمين كزّازيّ، الخبير في شؤون المهدويّة، في هذا المقال إحدى القضايا المهمّة المتعلّقة بعلامات الظهور وماهيّة الظهور المفاجئ للإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وذلك في ما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا كان ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) سيحدث بصورةٍ مفاجئةٍ، فما وجه الروايات التي تتحدّث عن علامات الظهور، وما دلالة الأحداث المتعدّدة التي يُفترض أن تقع قبل ظهوره وفقًا لهذه الروايات؟ وكيف يمكن الجمع بين وجود هذه العلامات والقول بأنّ الظهور سيكون مفاجئًا؟

لتوضيح هذه المسألة، دعوني أضرب لكم مثالًا. ففي اليوم الذي ألقى فيه قائدنا الشهيد خطابًا، وردّد فيه قول الإمام الحسين (عليه السلام): «مِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَ يَزِيدَ»، لم نكن ندرك آنذاك ما ينطوي عليه هذا الكلام من دلالاتٍ مهمّةٍ.

وقبل ذلك، كانت الحرب التي استمرّت اثني عشر يومًا قد وقعت، كما أنّ الولايات المتّحدة كانت قد هدّدت مرارًا وبصراحةٍ باغتيال القائد الأعلى واستشهاده. وعلى الرغم من هذه التهديدات، ألقى سماحته، قبل استشهاده باثني عشر يومًا تمامًا، خطابًا ردّد فيه تلك العبارة الشهيرة نفسها؛ لكنّنا لم نلتفت آنذاك إلى دلالات هذه المؤشّرات ولم ندرك ما تنطوي عليه.

وهذا الحدث يعيد إلى أذهاننا مقولة الإمام الحسين (عليه السلام). فعندما قال سيّد الشهداء (عليه السلام): «مِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَ يَزِيدَ»، لم تمضِ سوى أيّامٍ قلائل حتى استُشهد. وفي تلك الواقعة أيضًا، كانت هناك مؤشّراتٌ وعلاماتٌ، بل إنّ بعضها كان واضحًا وجليًّا ولافتًا للانتباه، ومع ذلك، فاجأنا الحدث ولم نكن نتوقّعه.

فهذا هو المقصود بالمفاجأة؛ أي إنّ وقوع الحدث يكون مفاجئًا رغم وجود مؤشّراتٍ تسبقه، لأنّنا لا نتوقّع أن يقع في تلك اللحظة بعينها. فعلى سبيل المثال، حين كنّا منشغلين بمواجهة التحدّيات وخوض الحرب، وكان يحدونا الأمل في تحقيق النصر، فوجئنا بوصول نبأ استشهاد سماحة القائد. وهذا ما ينطبق أيضًا على مسألة ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؛ إذ تتوالى العلامات والمؤشّرات الواحدة تلو الأخرى، ومع ذلك يحدث الظهور بصورةٍ مفاجئةٍ. فقد نرى هذه العلامات وندرك أنّ الظهور آتٍ لا محالة، لكنّنا لا نتوقّع أن يظهر الإمام في تلك المرحلة بعينها. ومع ذلك، سيظهر الإمام، وإن شاء الله، سنسمع بعد ظهوره كثيرين يقولون: لم نكن نتوقّع أن يقع الظهور بهذه السرعة!

ولكن إذا طُرح السؤال: ما الفائدة من هذه العلامات، ولماذا أشارت إليها الروايات؟ فالجواب أنّ لعلامات الظهور وظيفتين أساسيّتين:

الوظيفة الأولى: التمييز بين الظهور الحقيقيّ والادّعاءات الكاذبة للمهدويّة

تتمثّل الوظيفة الأولى لعلامات الظهور في تمكيننا من التمييز بين المدّعين الكاذبين للمهدويّة وبين الظهور الحقيقيّ للإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

وعلى مرّ التاريخ، ظهر كثيرون ممّن ادّعوا المهدويّة، بدءًا من السيّد علي محمّد الباب، وصولًا إلى أشخاص آخرين ظهروا في بلدانٍ مختلفةٍ، مدّعين أنّهم الإمام المهديّ أو أنّ لهم صلةً بالمهدويّة. ويُعدّ محمّد أحمد السودانيّ وغلام أحمد القاديانيّ من أبرز هؤلاء المدّعين. ولم تقتصر هذه الادّعاءات على بلدنا أو على حقبةٍ تاريخيّةٍ معيّنةٍ، بل لا يزال هناك، حتّى اليوم، أشخاصٌ في باكستان يدّعون المهدويّة.

فإذا ظهر شخصٌ وادّعى المهدويّة، فكيف يمكننا معرفة ما إذا كان ادّعاؤه صحيحًا أم لا؟

وهنا تأتي روايات أهل البيت (عليهم السلام) لتضع بين أيدينا معايير واضحةً للتمييز بين الادّعاء الصحيح والادّعاءات الباطلة. فقد ذكر الإمام الصادق (عليه السلام) خمس علاماتٍ بوصفها علاماتٍ حتميّةً للظهور، أي إنّ ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) لا يكون إلا بعد تحقّق هذه العلامات الخمس.

وهذه العلامات الخمس هي: خروج السفيانيّ، وخروج اليمانيّ، وقتل النفس الزكيّة، والخسف بالبيداء، والصيحة السماويّة.

وعلى سبيل المثال، في إحدى هذه العلامات، وهي الخسف بالبيداء، يُخسف بجيش السفيانيّ في أرض البيداء. ومن ثمّ، فإنّ هذه العلامات تساعدنا على التمييز بين الظهور الحقيقيّ والادّعاءات الكاذبة، وتحول دون أن يتمكّن أيّ شخص من خداع الآخرين بادّعائه المهدويّة.

الوظيفة الثانية: تهيئة النفوس للظهور ونصرة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)

تتمثّل الوظيفة الثانية لعلامات الظهور في تهيئة الناس لظهور الإمام ونصرته.

وممّا ينبغي أن نلتفت إليه أنّ الاستعداد للظهور وتهيئة الظروف لنصرة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ليسا أمرين يقتصر الاهتمام بهما على الأيّام القريبة من الظهور، بل هما مسؤوليّةٌ ينبغي أن نضعها نصب أعيننا طوال حياتنا، وأن نعمل على إعداد أنفسنا لها في ضوء مجموعةٍ من المبادئ والضوابط.

ومن أهمّ هذه المبادئ ترسيم الحدود الفاصلة بين الحقّ والباطل؛ وهي مسألةٌ تناولناها مرارًا، وتعرّفنا إليها ومارسناها عمليًّا على امتداد حياتنا.

فعلى سبيل المثال، تبدو الحدود الفاصلة بين الحقّ والباطل في الحرب الدائرة حاليًّا واضحةً تمامًا؛ إذ يقف في أحد طرفَيها كيانٌ متورّطٌ في قتل الأطفال وأكل لحومهم، وتُعدّ قضيّة إبستين من أبرز فضائحه التي كُشف النقاب عنها. وهو كيانٌ ارتكب مجازر بحقّ نحو 80 ألف إنسانٍ في غزّة، ولم يتوقّف، طوال تاريخه المشؤوم، عن ارتكاب الجرائم الكبرى وقتل آلاف الأبرياء، من نساءٍ وأطفالٍ وغيرهم، في إيران ومناطق مختلفة من العالم، وبأساليب شتّى.

وفي الطرف الآخر، يقف تيّارٌ رفع راية الإسلام وهتف بشعار "الله أكبر". ولذلك، فإنّ جبهة الحقّ وجبهة الباطل واضحتان لنا في مثل هذه الظروف.

وهذه الظروف تبعث في نفوسنا الطمأنينة؛ لأنّ ما تعلّمناه طوال حياتنا بشأن التمييز بين الحقّ والباطل بات اليوم ماثلًا أمام أعيننا. وفي الواقع، لقد مارسنا هذا التمييز تدريجيًّا طوال حياتنا، وازددنا، مع كلّ مرحلةٍ، استعدادًا لمعرفة جبهة الحقّ والوقوف إلى جانبها.

فعندما نبلغ المرحلة التي تسبق الظهور، تبدأ علاماته بالتجلّي واحدةً تلو الأخرى، فتُعزّز في نفوسنا روح الاستعداد والتهيّؤ. وتنبّهنا هذه العلامات إلى أنّ الحدث الذي انتظرناه سنواتٍ طويلةً بات يقترب شيئًا فشيئًا. ومن هنا، ينبغي لنا أن نهيّئ أنفسنا له؛ فقد بات الظهور قريبًا.

وهذا هو معنى مفاجأة ظهور صاحب العصر والزمان الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو ما أشارت إليه الروايات بلفظ "بَغْتَةً"، إذ جاء فيها: «لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً»؛ أي إنّ الظهور سيقع على نحوٍ مفاجئٍ.

وعليه، فإنّ مفاجأة الظهور لا تعني خلوّ المرحلة التي تسبقه من العلامات والمؤشّرات، بل تعني أنّنا، رغم معرفتنا بهذه العلامات وإدراكنا لحتميّة وقوع الظهور، لا نتوقّع أن يتحقّق في ذلك الوقت بعينه وبهذه السرعة. فنحن نعلم أنّ الإمام سيظهر، لكنّنا لا نتصوّر أنّ ظهوره بات قريبًا إلى هذا الحدّ.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحماني

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha